أحمد الفاروقي السرهندي
439
المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )
العلم غير متكيّف وغير متّكم كذاته تعالى وخارج عن حيطة ادراكنا فمن عرف ذلك العلم قياسا على علمه فهو لم يعرفه بل المعرفة هناك مجعول وهمه ومخترع خياله لا معرفة علم الحقّ الذي هو صفته الكاملة ففي هذه الصّورة لم توجد نفس المعرفة فضلا عن حقّ المعرفة فان انجرّت معاملته من القياس والتّخمين إلى العجز ووجد بوجدانه وحاله انّه لا يمكن معرفته وأيقن انّه لا نصيب له من ذلك غير الايمان بثبوت تلك الصّفة الكاملة فحينئذ قد حصل له نفس المعرفة وحقّ المعرفة فكان أصل المعرفة هو حقّ المعرفة في الحقيقة وما ليس بحقّ المعرفة ليس بأصل المعرفة فلم يكن للعوامّ شركة مع الخواصّ في حقّ المعرفة واين المساواة بعد ( فإن قيل ) إذا كان حقّ المعرفة نفس المعرفة يلزم ان لا يكون في العوامّ نفس المعرفة لعدم حقّ المعرفة فيهم ( قلت ) انّ للمعرفة صورة وحقيقة والمعرفة الّتى هي عين حقّ المعرفة هي حقيقة المعرفة المربوطة بالعجز عن المعرفة وصورتها هي ما لم تبلغ حدّ هذا العجز ولم تتخلّص من شائبة المقايسة على صفات الامكان كما مرّ ومن كمال فضله تعالى اعتبر صورة المعرفة في نفس الايمان وجعل النّجاة مربوطة بها كما اعتبر صورة الايمان أيضا وجعل دخول الجنّة مترتّبا عليها وصورة المعرفة كافية في صورة الايمان وامّا حقيقة الايمان فلا بدّ فيها من حقيقة المعرفة فعلم من هذا التّحقيق انّ للايمان أيضا فردين صورة وحقيقة وما هو نصيب العوامّ هو الصّورة وما اعطيه الخواصّ هو الحقيقة فلم يكن ايمان العوامّ مثل ايمان الأنبياء عليهم السّلام الذين هم اخصّ الخواصّ فانّ ذاك الايمان غير هذا الايمان لا مماثلة بينهما ولمّا كان العجز عن المعرفة مأخوذا في حقيقة الايمان وكانت المعرفة بانّه لا يعرف موجودة فيها لا جرم يكون الزّيادة والنّقصان مفقودين فيها فانّه لا احتمال لتفاوت درجات المعرفة في سلب المعرفة وتفاوت الدرجات انّما هو في الثبوت فلا يكون في حقيقة الايمان زيادة ولا نقصان واللّه سبحانه اعلم بحقيقة الحال . ( فإن قيل ) يلزم على هذا التّقدير أن تكون علوم الصّوفيّة ومعارفهم الكشفيّة ساقطة عن حيّز الاعتبار وان لا تكون معرفة الحقّ جلّ وعلا مربوطة بها أصلا فانّ حقّ المعرفة حصل بالعلوم الشّرعيّة ولم تبق معرفة حتّى يكتسبها الصّوفيّة بالسّعى والاجتهاد فلم نثبت للصّوفيّة مزيّة على العلماء في معرفة الحقّ جلّ شأنه أصلا ( قلت ) انّ علوم الصّوفيّة ومعارفهم الكشفيّة معدّات لذلك العجز الذي يتيسّر لمنتهين منهم إلى نهاية النّهاية وهؤلاء الأكابر يتدرّجون في مدارج تلك المعارف الكشفيّة إلى أن يتشرّفوا بدولة الوصول إلى ذلك العجز فتكون معارف هؤلاء الأصفياء معتبرة لكونها وسيلة لحصول حقّ المعرفة وذريعة الوصول إلى تلك الحقيقة . ( فإن قيل ) إذا ثبت العجز عن المعرفة وكان الكمال منحصرا في العجز فما معنى اعتبار الصوفيّة ثلاثة مراتب في المعرفة وما يكون المراد بعلم اليقين وعين اليقين وحقّ اليقين ( قلت ) انّ لهذا الفقير مشاجرة في هذه المسئلة مع القوم وهؤلاء الأكابر اعتبروا هذه المراتب الثلاث بالنّسبة إلى ذاته تعالى واثبتوا علم اليقين وعين اليقين وحقّ اليقين في حضرته جلّ شأنه وفي التّمثيل الذي أوردوه لذلك قالوا للعلم بالنّار الحاصل من الاستدلال بالدّخان " علم اليقين " بالنّسبة إلى النّار وقالوا لرؤية النّار عين اليقين وللتّحقّق بالنّار حقّ اليقين وهذا